اسماعيل بن محمد القونوي
153
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وزعموا أن ما صدر منهم إصلاح فلا جرم أنه ليس فيهم فلاح وأما احتمال كونه كذبا محضا من غير تأويل لخوف المسلمين المخلصين فبناء على أن لهم تمييزا بين السمين والسقيم وأنت خبير بأن ذلك لمن له قلب سليم وقد بان فساد قلوبهم وعلة مزاجهم بالنص الكريم فلا مجال لهذا الاحتمال على أنه قاصر عن بيان كمال شدة شكيمتهم على الإجمال وأما كونه مخادعة فضعيف لأن النهي عن الإفساد بعد ظهور حالهم ومعرفة مخادعتهم فكيف يريدون بذلك الخداع مع أنهم نهوا عنه في ضمن النهي عن الإفساد كما صرح به المصنف في تعداد الفساد فلا يوجد احتمالات أخر غير ما ذكره حتى يقال ولم ينظر المصنف إلى احتمالات آخر كالكذب والمخادعة إلى غير ذلك وإلى ما ذكرناه أشار بقوله ( لما في قلوبهم من المرض ) أي المرض الحقيقي فإنه الباعث لذلك التصور ولما جاز أن يقال إنه لم لا يجوز أن يراد المرض المجازي فلا يكون باعثا للتصور المذكور أشار إلى دفع ذلك بقوله ( كما قال اللّه تعالى ) فإن هذا القول الكريم نص في ذلك المراد وإن أريد من المرض مجازا فإنه أيضا عند الاستيلاء يمنع التمييز والإدراك على وجه الصواب ويؤيد ما قلنا قول المصنف في تفسير قوله تعالى : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [ فاطر : 8 ] أي أفمن زين له سوء عمله بأن غلب وهمه وهواه على عقله حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقا والقبيح حسنا انتهى . وإذا لوحظ الختم على قلوبهم بمقتضى نفاقهم وسائر عصيانهم فالأمر واضح في شأنهم « 1 » . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 12 ] أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) قوله : ( رد لما ادعوه أبلغ رد ) فإنهم لما ردوا الناصح على سبيل المبالغة رد اللّه تعالى لما ادعوه أبلغ رد إظهارا لشدة المقت عليهم ( للاستئناف به ) المعاني فإن جملة أَلا إِنَّهُمْ الخ مستأنفة فإنه يقصد به زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع لوروده بعد السؤال إذ حصول الشيء بعد الطلب يكون فيه فضل تمكن في القلب والسؤال عن سبب خاص للحكم أي قوله : للاستئناف به وجه دلالة الاستئناف على المبالغة أن المقصود بالاستئناف تمكين الحكم في ذهن السامع فضل تمكن لكونه حاصلا بعد الطلب والسؤال وذلك أن ادعاءهم الاصلاح لأنفسهم على ما ادعوه مع توغلهم في الإفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكم اللّه تعالى عليهم فكان ورود الجواب هكذا أي على طريق التشويق يفيد المبالغة فإن الشيء الحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب .
--> ( 1 ) وزاد الإمام أنه إن فسر لا تفسدوا بمداراة الكفار كان معنى قوله مُصْلِحُونَ [ البقرة : 11 ] أن هذه المداراة سعى في الإصلاح بين المسلمين والكفار كقوله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا وأيده بعضهم بأنه الوارد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما فقد أخرج عنه ابن جرير أنه قال في تفسيره إنما يريد الاصلاح بين الفريقين من المؤمنين والكفار وأهل الكتاب والمصنف رحمه اللّه لم يلتفت إليه مع اعتنائه بالتفسير المأثور لأنه غير مناسب للواقع والسياق كذا قيل وهذا يؤيد ما قلنا من أن التفسير المأثور يصح العدول عنه إلى تفسير بالدراية لكونه مناسبا للمقام وكون الدراية خبر آحاد ليس بقطعي في المرام قد سبق توضيحه في قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ البقرة : 10 ] الآية .